الشيخ السبحاني
67
مفاهيم القرآن
الأوقات بعالمية رسالته إذا كان الظرف في مكة صالحاً . كما في قوله سبحانه : « وَمَا هُوَ إلّا ذِكرٌ لِلعلَمِينَ » ( القلم - 52 ) والآية مكية بلا كلام . وكما في قوله : « لُاُنذِرُكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ » ( الأنعام 19 ) والسورة مكية ، وإن شئت قلت : انّ الظروف في مكة كانت مختلفة متلوّنة ، ولم تكن حياة الرسول رخاءاً وشدة على نسق واحد ، فتارة كانت بيئة مكة قاسية عنيفة لا تسمح بالجهر بنفس رسالته ، فضلًا عن المصارحة بكيفها وكمّها ، والمسلمون من جانب - اضطهاد قريش لهم - كانوا يعيشون في حالة عصيبة وأخرى كانت الأزمة قليلة مخففة بحلول أشهر الحج أو طروء حوادث تمنع العصابة المشركة المجرمة وتكفّهم عن إيذاء المسلمين . وعند ذاك كان يفسح المجال أمام النبي وأصحابه بأن يبلغوا الدعوة وفق الظروف وحسب المقتضيات شدة وضعفاً ، فنراه في مواقفه بمكة يصرّح بجانب من جوانب الدعوة على صعيد خاص كقوله : يا معشر قريش انقذوا أنفسكم . . . وأخرى ينادي بعموم دعوته مما يستفاد من أنّه بعث إلى الناس كافة ولأجل ذلك نواجه في سورة واحدة لونين من طريقة الدعوة ، فنرى أنّها في صدرها تأخذ بجميع جوانب دعوته وتصرّح بعموم دعوته وعالمية رسالته ، وأنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - امر من جانبه سبحانه أن ينذر بقرآنه قريشاً وكلّ من بلغه كتابه وانذاره حيث قال : « وأُوحي إليَّ هذا القُرءَانُ لِانذِرُكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ » وفي الوقت نفسه نرى في خلال السورة ، لوناً خاصاً من الدعوة حيث تخصّها بمن في امّ القرى ومن حولها ويقول : « وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَن حَولَهَا » فيعلم من ذلك أنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - كان يوجّه دعوته حسب ما تقتضيه المصلحة تبعاً للأحوال المختلفة وتبدل الظروف الزمانية والمكانية من دون توهّم تناقض في طريق الدعوة ولونها . جواب آخر عن الشبهة : جاء بعض المعاصرين من الأجلّاء ، في تعاليقه القيّمة على كتاب « الابطال » بجواب آخر « 1 » مبني على أمرين :
--> ( 1 ) - ترى اجمال هذا الجواب في مجمع البيان ج 3 ، ص 334 ، وج 5 ، ص 22 والمفردات للراغب مادة « أم » .